محمد الغزالي

208

خلق المسلم

ذلك أن الكبر وصف اللّه . ولا ينبغي لبشر أن ينازع اللّه وصفه المستحق له ، وتكبر الناس إنما يعني جملة من الخصال الخسيسة ، في طليعتها جحد الحق وجهل الواقع ، وسوء العشرة ، وتجاوز القدر ، وتحقير الفضل ، إلى غير ذلك . وقد حرّم الإسلام على المسلم أن يهون ، أو يستذل ، أو يستضعف ، ورمى في قلبه القلق والتبرم بكل وضع يخدش كرامته ويجرح مكانته . روي عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على ربه . ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنما يشكو اللّه تعالى . ومن تضعضع لغني لينال مما في يديه أسخط اللّه ، ومن أعطي القرآن فدخل النار ، فأبعده اللّه » « 1 » . وفي رواية : « من جلس إلى غني فتضعضع له ، لدنيا تصيبه ؛ ذهب ثلثا دينه ، ودخل النار » . وهذا الحديث يستنكر الضراعة التي تظهر على بعض الناس حين يؤزمون ؛ فيبكون ما فقدوا من حطام ، ويصيحون بالخلق طالبين النجدة ، ويتمرغون في تراب الأغنياء انتظار عرض يفرضونه لهم أو يقرضونه إياهم . والتألم من الحرمان ليس ضعة ، ولكن تحول الحرمان إلى هوان هو الذي يستنكره الإسلام ، فقد مضت سنّة الرجولة من قديم أن يتحامل الجريح على نفسه حتى يشفى فيستأنف المسير بعزم ، لا أن يخور ، ثم يتحول إلى كسيح ، ثم ينتظر الحاملين ، وفي معنى الحديث يقول الشاعر : وإني لأستغني فما أبطر الغنى * وأعرض ميسوري على مبتغي قرضي وأعسر أحيانا فتشتد عسرتي * وأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي وما نالها حتى تجلت وأسفرت * أخو ثقة مني بقرض ولا فرض يعني أن يتماسك على ما به من ضائقة حتى تنجلي ، دون أن يذل بها لأحد ولو كان أخا ثقة ! ! . وفي الحديث : « من أعطى الذلة من نفسه طائعا غير مكره فليس منا » .

--> ( 1 ) الطبراني .